حميد بن أحمد المحلي

129

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

لما أثّر ذلك في جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الإفضال ما لم ينفده مطالب السؤال ، ولا يخطر لكثرته على بال ، لأنه الجواد الذي لا ينقصه المواهب ، ولا يبخله إلحاح الملحّين ، و إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، فما ظنكم بمن هو هكذا ؟ سبحانه وبحمده . أيها السائل اعقل ما سألتني عنه ، ولا تسألنّ أحدا عنه بعدي ، فإني أكفيك مئونة الطلب ، وشدّة التعمق في المذهب ، وكيف يوصف الذي سألتني عنه ! ؟ وهو الذي عجزت الملائكة مع قربهم من كرسي كرامته ، وطول ولههم إليه ، وتعظيم جلال عزّته ، وقربهم من غيب ملكوت قدرته ، أن يعلموا من علمه إلا ما علّمهم ، وهم من ملكوت القدس بحيث هم ، ومن معرفته على ما فطرهم عليه ، فقالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [ البقرة : 32 ] . فعليك أيها السائل بما دلك عليه القرآن من صفته ، وتقدمك فيه الرسل بينك وبين معرفته ، فأتمّ به واستضئ بنور هدايته ، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها ، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين ، وما كلّفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ، ولا في سنة رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولا عن أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه ، فإنه منتهى حق الله تعالى عليك . اعلم أيها السائل أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السّدد المضروبة دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من تفسير الغيب المحجوب ، فقالوا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] ، فمدح الله سبحانه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلّفهم البحث عنه منهم رسوخا ، فاقتصر على ذلك . واعلم أن الله لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال ، ولم يتصرف في ذاته كرور الأحوال ، ولم يختلف عليه عقب الأيام والليالي ، وهو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله ، بل أرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب